محمد بن جرير الطبري

371

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حدثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ من نصيب . حدثني المثنى ، قال : حدثني إسحاق ، قال : ثنا وكيع ، قال سفيان : سمعنا في : وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أنه ما له في الآخرة من نصيب . وقال بعضهم : الخلاق هاهنا : الحجة . ذكر من قالة ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق . قال أخبرنا معمر ، عن قتادة : وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ قال : ليس له في الآخرة حجة . وقال آخرون : الخلاق : الدين . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال الحسن : ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ قال : ليس له دين . وقال آخرون : الخلاق هاهنا : القوام . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال ، حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قال ابن عباس : ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ قال : قوام . وأولى هذه الأَقوال بالصواب قول من قال : معنى الخلاق في هذا الموضع : النصيب ؛ وذلك أن ذلك معناه في كلام العرب . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم " يعني لا نصيب لهم ولاحظ في الإِسلام والدين . ومنه قول أمية بن أبي الصلت : يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم * إلا سرابيل من قطر وأغلال يعني بذلك : لا نصيب لهم ولاحظ إلا السرابيل والأَغلال . فكذلك قوله : ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ما له في الدار الآخرة حظ من الجنة من أجل أنه لم يكن له إيمان ولا دين ولا عمل صالح يحازي به في الجنة ويثاب عليه ، فيكون له حظ ونصيب من الجنة . وإنما قال جل ثناؤه : ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فوصفه بأنه لا نصيب له في الآخرة ، وهو يعني به لا نصيب له من جزاء وثواب وجنة دون نصيبه من النار . إذ كان قد دل ذمه جل ثناؤه أفعالهم التي نفي من أجلها أن يكون لهم في الآخرة نصيب على مراده من الخير ، وأنه إنما يعني بذلك أنه لا نصيب لهم فيها من الخيرات ، وأما من الشرور فإن لهم فيها نصيبا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . قال أبو جعفر رحمه الله : قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى شروا : باعوا ؛ فمعنى الكلام إذا : ولبئس ما باع به نفسه من تعلم السحر لو كان يعلم سوء عاقبته . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يقول : بئس ما باعوا به أنفسهم . فإن قال لنا قائل : وكيف قال جل ثناؤه : وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وقد قال قبل : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فكيف يكونون عالمين بأن من تعلم السحر فلا خلاق لهم ، وهم يجهلون أنهم بئس ما شروا بالسحر أنفسهم ؟ قيل : إن معنى ذلك على غير الوجه الذي توهمته من أنهم موصوفون بالجهل بما هم موصوفون بالعلم به ، ولكن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم ، وإنما معنى الكلام : وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله ، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق . فقوله : لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذم من الله تعالى ذكره فعل المتعلمين من الملكين التفريق بين المرء وزوجه ، وخبر منه جل ثناؤه عنهم أنهم بئس ما شروا به أنفسهم برضاهم بالسحر عوضا عن دينهم الذي به نجاة أنفسهم من الهلكة ، جهلا منهم بسوء عاقبة فعلهم وخسارة صفقة بيعهم ، إذ كان قد يتعلم ذلك منهما من لا يعرف الله ولا يعرف